بعد التجاوزات في حق المصريين في الفترة الأخيرة
رسالة من الكاتب السعودي جميل الفارسي إلى جميع شباب العرب: “هل تعرفون حقيقة مصر؟”
مقال للكاتب السعودي الأستاذ جميل الفارسي عن “مصر”.
يا ريت كل الناس تقرأه، خصوصًا ليراه بعض من تجرأ من بعض الصحفيين الخليجيين الغوغائيين الذين تطاولوا على مصر في الفترة الأخيرة.
يقول الصحفي والكاتب السعودي جميل الفارسي:
رسالة إلى الشباب العرب..
يُخطئ من يقيّم الأفراد قياسًا على تصرفهم في لحظة من الزمن، ويسري ذلك على الأمم، فيخطئ من يقيّم الدول على فترة من الزمان، وهذا للأسف سوء حظ مصر مع مجموعة من الشباب العرب الذين لم يعيشوا فترة ريادة مصر.
تلك الفترة كانت فيها مصر مثل الرجل الكبير، تنفق بسخاء وبلا امتنان، وتقدم التضحيات المتوالية دون انتظار للشكر.
هل تعلم يا بني أن جامعة القاهرة وحدها قد علّمت حوالي المليون طالب عربي، ومعظمهم بدون أي رسوم دراسية، بل وكانت تصرف لهم مكافآت التفوق مثلهم مثل الطلاب المصريين؟
هل تعلم أن مصر كانت تبعث مدرسيها لتدريس اللغة العربية للدول العربية المستعمَرة حتى لا تضمحل لغة القرآن لديهم، وذلك كذلك على حسابها؟
هل تعلم أن أول طريق مسفلت من جدة إلى مكة المكرمة كان هدية من مصر؟
حركات التحرر العربي كانت مصر هي صوتها وهي مستودعها وخزانتها، وكما قادت حركات التحرير فإنها قدمت حركات التنوير.
كم قدمت مصر للعالم العربي في كل مجال، في الأدب والشعر والقصة، وفي الصحافة والطباعة، وفي الإعلام والمسرح، وفي كل فن من الفنون، ناهيك عن الدراسات الحقوقية ونتاج فقهاء القانون الدستوري.
جئني بأمثال ما قدمت مصر.
كما تألقت في الريادة القومية، تألقت في الريادة الإسلامية، فالدراسات الإسلامية ودراسات القرآن وعلم القراءات كان لها شرف الريادة، وكان للأزهر دور عظيم في حماية الإسلام في حزام الصحراء الإفريقي، وكان لها فضل تقديم الحركات التربوية الإصلاحية.
أما على مستوى الحركة القومية العربية فقد كانت مصر أداتها ووقودها، وإن انكسر المشروع القومي في 67 فمن الظلم أن تُحمَّل مصر وحدها وزر ذلك، بل يشفع لها أنها كانت تحمل الإرادة الصلبة للخروج من ذل الهزيمة.
إن صغر سنك يا بني قد حماك من أن تذوق طعم المرارة الذي حملته لنا هزيمة 67، ولكن دعني أؤكد لك أنها كانت أقسى من أقسى ما يمكن أن تتصور، ولكن هل تعلم عن الإرادة الحديدية التي كانت عند مصر يومها؟
أعادت بناء جيشها فحوّلته من رماد إلى مارد، وفي ست سنوات وبضعة أشهر فقط نقلت ذلك الجيش المنكسر إلى أسود تصيح “الله أكبر” وتقتحم أكبر دفاعات عرفها التاريخ.
مليون جندي لم تثنِ عزيمتهم تفوق سلاح العدو ومدده ومن خلفه.
بالله عليك، كم دولة في العالم مرت عليها ست سنوات لم تزدها إلا اتكالًا، وست أخرى لم تزدها إلا خبالًا؟
ثم انظر، بعد انتهاء الحرب فتحت نفقًا تحت قناة السويس التي شهدت كل تلك المعارك الطاحنة، أُطلق على النفق اسم الشهيد أحمد حمدي، اسم بسيط ولكنه كبر باستشهاد صاحبه في أوائل المعركة.
انظر كم هي كبيرة.
هل تعلم أنه ليس منذ القرن الماضي فحسب، بل منذ القرن ما قبل الماضي كان لمصر دستور مكتوب؟
شعبها شديد التحمل والصبر أمام المكاره والشدائد الفردية، لكنه كم انتفض ضد الاستعمار والاستغلال والأذى العام.
مصر تمرض ولكنها لا تموت، إن اعتلت ومرضت اعتل العالم العربي، وإن صحت واستيقظت صحا، ولا أدل على ذلك من مأساة العراق والكويت، فقد تكررت مرتين في العصر الحديث.
في إحداهما قُتلت المأساة في مهدها بتهديد حازم من مصر للزعيم عبد الكريم قاسم حاكم العراق عندما فكر في الاعتداء على الكويت، وذلك عندما كانت مصر في أوج صحتها.
أما في المرة الأخرى، فهل تعلم كم تكلّف العالم العربي برعونة صدام حسين في استيلائه على الكويت؟ هل تعلم أن مقدرات العالم العربي رهنت لعقود بسبب رعونته وعدم قدرة العالم العربي على أن يحل المشكلة بنفسه؟
إن لمصر قدرة غريبة على بعث روح الحياة والإرادة في نفوس من يقدم إليها.
انظر إلى البطل صلاح الدين، بمصر حقق نصره العظيم.
انظر إلى شجرة الدر، مملوكة أرمنية تشبعت بروح الإسلام، فأبت إلا أن تكون راية الإسلام مرفوعة، فقادت الجيوش لصد الحملة الصليبية.
لله درك يا مصر الإسلام،
لله درك يا مصر العروبة.
إن ما تشاهدونه من حال العالم العربي اليوم هو ما لم نتمنه لكم، وإن كان هو قدرنا فإنه أقل من مقدارنا وأقل من مقدراتنا.
أيها الشباب، أعيدوا تقييم مصر، ثم أعيدوا بث الإرادة في أنفسكم، فالحياة أعظم من أن تنقضي بلا إرادة. أعيدوا لمصر قوتها تنقذوا مستقبلكم.
نبذات ووقفات:
هنا بعض النبذات قبل اكتشاف وخروج البترول.
الحجاز:
توفيق جلال، كان رئيس تحرير جريدة الجهاد المصرية، وتوفيق نسيم كان رئيس وزراء مصر. حدثت مجاعة وأمراض أزهقت آلاف الأرواح بأراضي الحجاز. كتب توفيق جلال في صدر صحيفته إلى توفيق نسيم يقول:
“من توفيق إلى توفيق، في أرض رسول الله آلاف يموتون من الجوع وفي مصر نسيم”.
فأصدر توفيق نسيم أوامره فورًا، فعبرت المراكب تحمل آلاف الأطنان من الدقيق والمواد الغذائية، وآلافًا من الجنيهات المصرية، والتي كانت عملتها أعلى وأقوى من العملة البريطانية، غير الصرة السنوية التي كانت تبعث بها مصر، وكانوا يشكرون مصر كثيرًا على ذلك.
الكويت:
كانت مصر تبعث بالعمال والمدرسين والأطباء والموظفين لمساعدة الإخوة بالكويت بأجور مدفوعة من مصر.
ليبيا:
كانت جزءًا من وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية.
كل هذا لم يكن منّة من مصر، بل كان دعمًا وواجبًا وطنيًا لأشقائها العرب.
مذكرات الثوري العظيم أحمد بن بلة وقيادات الثورة الجزائرية تشهد وهم يقولون: مهما قدمنا وقدمت الجزائر لمصر فلن نوفي حق مصر علينا وما قدمته لنا.
كذلك التضحيات الكبيرة والعظيمة التي لا ينكرها الشعب اليمني لما قدمته مصر لليمن، حتى أشرف اقتصاد مصر على الانهيار.
مصر التي سطعت منها شمس الحرية على ربوع الكرة الأرضية.
مصر التي وقفت بكل إمكانياتها المتواضعة وشعبها العظيم في وجه القوى الغاشمة فرنسا وبريطانيا العظمى.
مصر التي ساندت قضايا المظلومين بالعالم شرقًا وغربًا، فاحتضنت حركات النضال والتحرير من مشارق الأرض إلى مغاربها دون تمييز للون أو الدين أو العرق، فكانت قبلة الثوار والمناضلين من ربوع الكرة الأرضية.
فاحتضنت باتريس لومومبا وحركته، وحزب المؤتمر الإفريقي ضد التمييز العنصري بقيادة مانديلا، وروبرت موغابي وأبطال وزعماء إفريقيا ومناضليها، وقدمت الدعم والمساندة للثورة الجزائرية والليبية واليمن والعراق وفلسطين.
واستقبلت على أرضها عظماء ثوار العالم، فاستقبلت الثائر العالمي جيفارا، وفيدل كاسترو، ونهرو، وأحمد سوكارنو، وذو الفقار علي بوتو، ومحمد إقبال، وتيتو.
ويكمل الكاتب السعودي الكبير جميل الفارسي كلامه عن مصر في أبيات شعرية:
مصر التي تعطي بسخاء لا يمكن أن تغدر
مصر التي تجمع وتحتضن لا يمكن أن تفرق وتقتل
مصر التي تأوي لا يمكن أن تخون
هذه هي مصر الصابرة الآمنة المؤمنة المحتسبة.
يا أيها السفهاء، يا من تتطاولون على مصر وشعبها، هذه هي مصر العظيمة… فمن أنتم؟
هذا ما قدمته مصر للعرب والعالم… فماذا قدمتم؟
مصر هي:
بلاد الشمس وضحاها،
غيطان النور،
قيامة الروح العظيمة،
انتفاض العشق،
اكتمال الوحي والثورة،
مراسي الحلم،
العلم والدين الصحيح،
العامل البسيط،
الفلاح الفصيح،
جنة الناس البسيطة،
القاهرة القائدة الواعدة الموعودة،
الساجدة الشاكرة الحامدة المحمودة،
العارفة الكاشفة العابدة المعبودة،
العالمة الدارسة الشاهدة المشهودة،
سيمفونية الجرس والأذان،
كنانة الرحمن،
أرض الدفء والحنان،
معشوقة الأنبياء والشعراء والرسامين،
صديقة الثوار،
قلب العروبة النابض الناهض الجبار،
عجينة الأرض التي لا تخلط العذب بالمالح،
ولا الوليف الوفي بالقاسي والجارح،
ولا الحليف الأليف بالغادر الفاضح،
ولا فرح بكرة الجميل بليل وحزن أمس،
ولا صعب المستحيل بالممكن الواضح.
كوني مصر،
دليل الإنسانية ومهدها…
كوني مصر أم الدنيا.
الكاتب السعودي / جميل الفارسي














